القاضي التنوخي
366
الفرج بعد الشدة
أبشر « 22 » فقد - واللّه - وعدتني أن تزوّجني بك ، وما بين أيدينا عقبة إلّا الخروج . فقلت : يسلّم اللّه تعالى . فلمّا كان من غد حملتني في الصندوق ، وخرجت كما دخلت ، وكان الحرص على التفتيش أقلّ ، وتركت في المسجد الذي حملت منه في الصندوق ، وقمت بعد ساعة ، ومضيت إلى منزلي ، وتصدّقت ، ووفيت بنذري . فلمّا كان بعد أيّام ، جاءني الخادم برقعتها ، بخطّها الذي أعرفه ، وكيس فيه ثلاثة آلاف دينار عينا ، وهي تقول في رقعتها : أمرتني السيّدة بإنفاذ هذا الكيس من مالها إليك ، وقالت : اشتر ثيابا ، ومركوبا ، وغلاما يسعى بين يديك ، وأصلح به ظاهرك ، وتجمّل بكل ما تقدر عليه ، وتعال يوم الموكب « 23 » إلى باب العامّة « 24 » ، وقف حتى تطلب ، وتدخل على الخليفة ، وتتزوّج بحضرته . فأجبت على الرقعة ، وأخذت الدنانير ، واشتريت منها ما قالوه ، واحتفظت بالباقي . وركبت بغلتي يوم الموكب إلى باب العامّة ، ووقفت ، وجاءني من استدعاني ، فأدخلني على المقتدر ، وهو على السرير ، والقضاة ، والهاشميون ، والحشم ، قيام ، فداخلتني هيبة عظيمة ، فخطب بعض القضاة ، وزوّجني ، وخرجت . فلمّا صرت في بعض الممرّات ، عدل بي إلى دار عظيمة ، مفروشة بأنواع الفرش الفاخر ، والآلات ، والخدم ، فأجلست ، وتركت وحدي ، وانصرف من أجلسني .
--> ( 22 ) أبشر : أي استمع إلى بشرى ، ومن ظريف تعابير العامّة ببغداد ، أنّك إذا ناديت أحدهم ، أجاب بقوله : إبشر ( بكسر الهمزة ) . ( 23 ) يوم الموكب : اليوم الذي يجلس فيه الخليفة جلوسا عاما ، وقد أفرد هلال الصابي في كتابه رسوم دار الخلافة ، فصلا خاصّا ص 90 - 92 فصّل فيه كيفيّة جلوس الخليفة ، ووصف مجلسه ولباسه ، وملابس الذين يدخلون عليه . ( 24 ) باب العامّة : أحد أبواب دار الخلافة ، وكانت في شرقي الدار ، وهي أقرب أبواب الدار إلى جامع الخلفاء .